نظرًا لما يسبّبه هذا المرض من ألم وإعاقة، يبحث الأطباء والباحثون عن علاجات آمنة وفعّالة تساعد على تخفيف الأعراض وتحسين جودة الحياة. أحد هذه الخيارات التي أثارت اهتمامًا متزايدًا هو العلاج بالليزر منخفض الشدة (Low-Level Laser Therapy)، المعروف أيضًا بالليزر العلاجي للمفاصل، والذي يُطرح كبديل أو تكملة لعلاجات الألم التقليدية والعلاج الطبيعي. 

تنبيه طبي:

هذا المقال للتوعية فقط ولا يغني عن استشارة طبيب متخصص قبل اتخاذ أي قرار علاجي. 

ما هو التهاب المفاصل الروماتيزمي؟

التعريف الطبي للروماتويد

التهاب المفاصل الروماتيزمي (Rheumatoid Arthritis) هو مرض مناعي ذاتي التهابي مزمن يهاجم فيه الجهاز المناعي الغشاء الزليلي المبطن للمفاصل، مما يؤدي إلى التهاب مستمر قد يسبب تآكل الغضاريف والعظام مع مرور الوقت. ويُصنَّف ضمن الأمراض الروماتيزمية الجهازية، لأنه لا يقتصر على المفاصل فحسب، بل قد يؤثر في أجهزة أخرى كالرئتين والقلب والعينين.

كيف يؤثر على المفاصل والجهاز المناعي

في الحالة الطبيعية، يحمي الجهاز المناعي الجسم من العدوى. أما في التهاب المفاصل الروماتيزمي، فيحدث خلل مناعي يؤدي إلى مهاجمة الأنسجة السليمة، خصوصًا الغشاء الزليلي داخل المفصل. ينتج عن ذلك:

وقد يؤدي استمرار الالتهاب دون علاج إلى تشوهات مفصلية وفقدان دائم للوظيفة الحركية.

الأعراض الشائعة

تختلف شدة الأعراض من مريض لآخر، لكن أكثرها شيوعًا:

  • ألم وتورم في المفاصل الصغيرة (خاصة اليدين والقدمين).
  • تيبّس صباحي يستمر أكثر من 30 دقيقة.
  • تعب عام وإرهاق.
  • ارتفاع طفيف في درجة الحرارة أحيانًا.
  • فقدان تدريجي في مدى الحركة.

ويمتاز المرض غالبًا بإصابة المفاصل بشكل متماثل في جانبي الجسم، وهي سمة تساعد في تشخيصه سريريًا.

كيف يعمل الليزر في علاج التهاب المفاصل الروماتيزمي؟

تقليل الالتهاب

العلاج بالليزر منخفض الشدة يعمل على تعديل العملية الالتهابية في المفاصل المصابة من خلال تأثير ضوئي حيوي. تشير الدراسات المختبرة إلى أن هذا النوع من الليزر يمكن أن يخفض مستويات السيتوكينات الالتهابية مثل IL-1 وIL-6 وTNF-α، وهي جزيئات تلعب دورًا رئيسيًا في استمرار الالتهاب وتلف الأنسجة المفصلية في الروماتويد. كما أن الليزر قد يساعد على زيادة إنتاج سيتوكينات مضادة للالتهاب مثل  IL-10، مما يساهم في تقليل الاستجابة الالتهابية المفرطة.

تقليل الالتهاب
تقليل الالتهاب

تحسين الدورة الدموية

الضوء المطبق من أجهزة الليزر منخفضة الشدة يزيد من تدفق الدم والدورة الدقيقة في المنطقة المعالجة، مما يساعد على توصيل المزيد من الأكسجين والعناصر الغذائية إلى الأنسجة المتضررة. هذا التأثير يمكن أن يسرّع من عملية الشفاء ويقلل من تراكم الفضلات الخلوية في الأنسجة الملتهبة. زيادة الدورة الدموية قد تساهم أيضًا في تحسين التمثيل الغذائي للخلايا وإزالة البروتينات الالتهابية بسرعة أكبر. 

تحفيز التئام الأنسجة

يعمل ضوء الليزر كوقود للميتوكوندريا (محطات الطاقة في الخلية)، مما يحفز إنتاج جزيئات الطاقة ATP. زيادة الطاقة الخلوية تسرع من عمليات إصلاح الأنسجة الرابطة والأغشية المتضررة في المفاصل، وهو ما يساهم في الحفاظ على سلامة المفصل لأطول فترة ممكنة.

تخفيف الألم العصبي

يؤثر الليزر بشكل مباشر على سرعة نقل الإشارات العصبية في الألياف المسؤولة عن الألم. من خلال تثبيت أغشية الخلايا العصبية وزيادة إفراز “الإندورفينات” (مسكنات الألم الطبيعية في الجسم)، يعمل الليزر على تخفيف ألم المفاصل بشكل فوري وطويل الأمد دون الحاجة لجرعات عالية من الأدوية.

فوائد علاج التهاب المفاصل الروماتيزمي بالليزر

تقليل الألم والتورم

تعد الفائدة الأبرز لليزر هي قدرته العالية على تخفيف حدة الأوجاع؛ فوفقاً لمراجعة مؤسسة Cochrane العلمية، تبين أن العلاج بالليزر منخفض الشدة قد يؤدي إلى تحسن بسيط في شدة الألم مقارنة بالعلاج الوهمي.

تحسين الحركة

يساهم العلاج بالليزر منخفض الشدة في تحسين مدى حركة المفاصل المصابة عن طريق تقليل الالتهاب وتخفيف الألم، مما يمكّن المرضى من أداء الأنشطة اليومية بشكل أفضل

تقليل الاعتماد على المسكنات

باعتباره وسيلة غير دوائية لتخفيف الألم، يساعد الليزر في تقليل الحاجة إلى مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) التي قد تسبب آثاراً جانبية على المعدة والكلى عند استخدامها لفترات طويلة. هذا يجعل علاج التهاب المفاصل بدون جراحة بالليزر خياراً استراتيجياً لإدارة الحالة بآثار جانبية تكاد تكون منعدمة.

إجراء غير جراحي وآمن نسبيًا

على عكس العمليات الجراحية أو الحقن المباشر في المفاصل، لا يتطلب الليزر أي تخدير أو فترة نقاهة. الجلسات غير مؤلمة تماماً، حيث لا يشعر المريض سوى بملامسة رأس الجهاز للجلد، مما يجعله خياراً آمناً حتى للأشخاص الذين يخشون الإبر أو الإجراءات التداخلية.

ماذا تقول الدراسات العلمية؟

فعاليته قصيرة المدى مقابل طويلة المدى

تُظهر الأدلة الحالية أن التأثيرات الإيجابية للعلاج بالليزر تكون أوضح خلال الفترة القصيرة بعد انتهاء الجلسات العلاجية، والتي تمتد غالبًا من ثلاثة إلى أربعة أسابيع.

أما على المدى الطويل، فلا تزال البيانات محدودة، ولم تثبت الدراسات استمرار الفائدة لعدة أشهر بعد التوقف عن العلاج. ويعكس ذلك الحاجة إلى مزيد من التجارب السريرية طويلة الأمد لتقييم الاستدامة العلاجية.

هل هو علاج مكمل أم بديل؟

وفق التوصيات الطبية الحديثة، لا يُعد العلاج بالليزر منخفض الشدة بديلاً عن الأدوية الأساسية المستخدمة في علاج التهاب المفاصل الروماتيزمي، مثل الأدوية المعدِّلة لمسار المرض.

وتؤكد الهيئات الطبية أن الليزر يمكن اعتباره علاجًا مكملًا داعمًا ضمن خطة شاملة تشمل العلاج الدوائي والعلاج الفيزيائي، وليس بديلاً عنها.

من هم المرضى المناسبون للعلاج بالليزر؟

الحالات الخفيفة والمتوسطة

يُعد المرضى الذين يعانون من نشاط مرضي خفيف إلى متوسط هم الأكثر استفادة من الليزر العلاجي للمفاصل. في هذه المراحل، يساعد الليزر في السيطرة على نوبات الألم ومنع تدهور الحركة في المفاصل الصغيرة كأصابع اليد والرسغ.

من لا يتحملون الأدوية

هناك فئة من المرضى تعاني من آثار جانبية شديدة تجاه الأدوية التقليدية للروماتيزم، مثل اضطرابات المعدة الناتجة عن المسكنات (NSAIDs) أو التأثيرات الكبدية لبعض الأدوية المعدلة للمرض. يمثل الليزر لهؤلاء “طوق نجاة” كونه وسيلة علاجية موضعية لا تمر عبر الجهاز الهضمي أو الدورة الدموية الكبرى، مما يجعله علاجاً فيزيائياً للروماتيزم آمناً تماماً من الناحية الكيميائية.

كبار السن

قد يستفيد كبار السن من العلاج بالليزر كخيار غير جراحي لتخفيف ألم المفاصل، خاصة إذا كانوا يعانون من أمراض مزمنة متعددة تجعل استخدام بعض الأدوية بجرعات عالية أمرًا محفوفًا بالمخاطر.

العلاج بالليزر منخفض الشدة يتميز بكونه إجراءً غير تداخلي وآمنًا نسبيًا عند استخدامه وفق المعايير الطبية الصحيحة، مع انخفاض معدل المضاعفات المبلغ عنها في الدراسات السريرية.

من يجب أن يتجنب العلاج بالليزر؟

الحوامل

يُنصح بتجنب تسليط أشعة الليزر مباشرة فوق الرحم أو المناطق القريبة منه أثناء فترة الحمل. ورغم عدم وجود أدلة قاطعة على أن الليزر منخفض الشدة يسبب تشوهات جنينية.

مرضى السرطان

يُعد وجود ورم سرطاني نشط من الحالات التي تستوجب الحذر الشديد. فالعلاج بالليزر يعمل عبر تحفيز النشاط الخلوي وزيادة الطاقة داخل الخلايا (ATP)، ولذلك يُوصى بتجنب تطبيقه مباشرة فوق الأورام أو في المناطق المشتبه بإصابتها.

تشير إرشادات السلامة في العلاج الفيزيائي إلى ضرورة عدم استخدام الليزر فوق الأورام الخبيثة النشطة إلا بتوصية صريحة من الطبيب المعالج، خاصة في حالات السرطان غير المسيطر عليه.

مرضى اضطرابات النزيف

يجب الحذر الشديد مع المرضى الذين يعانون من سيولة الدم أو يتناولون جرعات عالية من الأدوية المضادة للتخثر. بما أن الليزر يحسن الدورة الدموية ويسبب توسعاً في الأوعية الدموية الدقيقة، فقد يؤدي ذلك في حالات نادرة إلى حدوث نزيف داخلي بسيط داخل المفصل الملتهب بشدة.

وجود التهابات جلدية نشطة

لا يتم إجراء جلسات ليزر المفاصل إذا كانت المنطقة المستهدفة تعاني من طفح جلدي، جروح مفتوحة، أو عدوى بكتيرية/فطرية نشطة. تركيز الضوء على جلد غير سليم قد يفاقم الالتهاب الجلدي أو يتداخل مع عملية التئام الجلد الطبيعية.

عدد الجلسات والتكلفة المتوقعة

كم جلسة يحتاج المريض؟

معظم الدراسات السريرية استخدمت العلاج بالليزر منخفض الشدة بمعدل 2–3 جلسات أسبوعيًا لمدة 3–4 أسابيع (أي نحو 8–12 جلسة تقريبًا). ولا يوجد حتى الآن بروتوكول موحّد يفرض عددًا ثابتًا من الجلسات، إذ تعتمد الخطة العلاجية على شدة الالتهاب وعدد المفاصل المصابة.

مدة كل جلسة

تميز جلسات الليزر بأنها سريعة وعملية، حيث تتراوح مدة الجلسة الواحدة للمفصل الواحد بين 5 إلى 10 دقائق فقط. إذا كان المريض يعاني من إصابات في مفاصل متعددة (مثل اليدين والركبتين)، فقد تستغرق الجلسة الإجمالية حوالي 30 دقيقة. هذا الوقت القصير يجعلها خياراً ممتازاً لمن لديهم جداول يومية مزدحمة.

متى تظهر النتائج؟

تختلف سرعة الاستجابة من شخص لآخر، ولكن بشكل عام:

  • بعد الجلسة الأولى أو الثانية: قد يشعر بعض المرضى براحة مؤقتة نتيجة تحسن الدورة الدموية.
  • بعد 6 إلى 8 جلسات: تبدأ النتائج الفعلية في الظهور، حيث يلاحظ المريض انخفاضاً ملحوظاً في تصلب المفاصل الصباحي وتحسناً في القدرة على الحركة.
  • بعد اكتمال الدورة: يصل المريض إلى أقصى مراحل تخفيف الألم، وقد تستمر هذه النتائج لعدة أشهر إذا تم اتباع نصائح الرعاية اللاحقة.

هل العلاج بالليزر يغني عن الأدوية؟

أهمية العلاج الدوائي الأساسي

العلاج الدوائي يبقى الركيزة الأساسية في إدارة التهاب المفاصل الروماتيزمي. وتشمل الأدوية المثبطة للمناعة  والمضادات الحيوية المناعية وأحيانًا مسكنات الألم ومضادات الالتهاب، والتي تهدف إلى إيقاف تطور المرض وتقليل الالتهاب المزمن وحماية المفاصل من التلف الدائم.

نصيحة الأطباء

يشدد الخبراء على أن إدراج العلاج بالليزر ضمن خطة علاجية متكاملة يتم فقط تحت إشراف طبي، ويكون غالبًا في الحالات التي:

  • يعاني فيها المريض من ألم مستمر رغم العلاج الدوائي.
  • يرغب في تقليل جرعات المسكنات تحت إشراف الطبيب.

نصائح لتحسين نتائج العلاج

التمارين الخفيفة

التمارين الخفيفة مثل تمارين اليدين، المشي، والسباحة تساعد على تحسين مرونة المفاصل وتقوية العضلات المحيطة بها، ما يقلل من تيبّس المفاصل ويعزز الأداء اليومي. يُنصح بالاستعانة بأخصائي علاج طبيعي لتحديد نوعية وشدة التمارين المناسبة لكل حالة.

التغذية المضادة للالتهاب

اتباع نظام غذائي غني بالأوميجا 3، الخضروات، والفواكه قد يساعد في تقليل الالتهاب المزمن المرتبط بالروماتويد. يُنصح بتجنب الأطعمة المصنعة والدهون المشبعة، حيث أظهرت الدراسات أن النظام الغذائي المتوازن يدعم استجابة العلاج الدوائي ويقلل الأعراض.

الحفاظ على الوزن

اتباع نظام غذائي غني بالأوميجا 3، الخضروات، والفواكه قد يساعد في تقليل الالتهاب المزمن المرتبط بالروماتويد. يُنصح بتجنب الأطعمة المصنعة والدهون المشبعة، حيث أظهرت الدراسات أن النظام الغذائي المتوازن يدعم استجابة العلاج الدوائي ويقلل الأعراض.

المتابعة الطبية

الزيارات الدورية للطبيب أو أخصائي العلاج الطبيعي ضرورية لتقييم تقدم المرض واستجابة العلاج بالليزر أو الدواء، وضبط الجرعات أو البروتوكولات حسب الحاجة.

متى يجب مراجعة الطبيب؟

استمرار الألم

إذا استمر الألم بالرغم من الالتزام بالعلاج الدوائي والليزر، يجب مراجعة الطبيب لإعادة تقييم الخطة العلاجية أو تعديل الجرعات.

تورم شديد

ورم مفاجئ أو شديد في المفاصل قد يشير إلى نشاط حاد للمرض أو مضاعفات، ويستلزم مراجعة فورية للطبيب.

تدهور الحركة

أي انخفاض ملحوظ في مرونة المفاصل أو القدرة على الحركة يستدعي استشارة الطبيب أو أخصائي العلاج الطبيعي لتجنب تدهور دائم في المفاصل.

يُعد العلاج بالليزر منخفض الشدة خيارًا مكملًا آمنًا نسبيًا لتخفيف أعراض التهاب المفاصل الروماتيزمي، لكنه لا يغني عن العلاج الدوائي الأساسي. تظهر الدراسات أن الليزر قد يحسن الألم المؤقت، مرونة المفاصل، ودعم التمارين العلاجية، مع اختلاف النتائج حسب شدة المرض وعدد الجلسات.

ينصح باتباع خطة علاجية متكاملة تشمل: الدواء، التمارين الخفيفة، التغذية المضادة للالتهاب، والحفاظ على الوزن، مع متابعة طبية منتظمة لتقييم تقدم الحالة.

لا تتردّد في متابعتنا على إنستغرام لمزيد من المحتوى الصحي المبسّط والموثوق.