تنبيه طبي: هذا المقال للتوعية الصحية فقط ولا يُغني عن استشارة طبيب أو مختص، خاصة في حالات الأمراض المزمنة أو تناول الأدوية.

ما هو الثوم ولماذا يُعد غذاءً طبيًا؟

الثوم نبات بصلي ينتمي إلى فصيلة Alliaceae، ويُستخدم منذ آلاف السنين ليس فقط كعنصر غذائي، بل كوسيلة علاجية في حضارات مختلفة، من الطب الصيني القديم إلى الطب الإغريقي. ما يمنح الثوم هذه المكانة الطبية هو احتواؤه على مركبات حيوية نشطة ذات تأثيرات مثبتة على الصحة، جعلته محل اهتمام واسع في الأبحاث الحديثة، خاصة في مجالات المناعة، وصحة القلب، ومقاومة الالتهابات.

تركيب الثوم الكيميائي (الأليسين – الكبريت)

يتميّز الثوم بثرائه بمركبات الكبريت العضوية، ويُعدّ الأليسين (Allicin) أهمها وأكثرها نشاطًا بيولوجيًا. لا يكون الأليسين موجودًا في الثوم السليم، بل يتكوّن عند سحق أو تقطيع الفصوص، نتيجة تفاعل إنزيم الأليناز (Alliinase) مع مركّب الأليين (Alliin). إضافة إلى الأليسين، يحتوي الثوم على مركبات كبريتية أخرى مثل Diallyl sulfide وS-allyl cysteine، التي تسهم في خصائصه المضادة للأكسدة والميكروبات.

كيف تعمل هذه المركبات داخل الجسم؟

تعمل مركبات الثوم الكبريتية عبر آليات متعددة داخل الجسم؛ إذ تُظهر قدرة على تثبيط الإجهاد التأكسدي من خلال تقليل الجذور الحرة، كما تُسهم في تنظيم الاستجابة الالتهابية عبر التأثير على مسارات خلوية مرتبطة بالالتهاب. إضافة إلى ذلك، تمتلك بعض هذه المركبات خصائص مضادة للبكتيريا والفيروسات، ما يفسّر ارتباط استهلاك الثوم بدعم المناعة وتقليل خطر بعض الالتهابات وفق ما تشير إليه دراسات مخبرية وسريرية.

الفرق بين الثوم النيئ والمطبوخ

يختلف التأثير الصحي للثوم باختلاف طريقة تحضيره؛ فالثوم النيئ يُعدّ الأغنى بمركب الأليسين، نظرًا لأن الحرارة العالية قد تُثبط إنزيم الأليناز المسؤول عن تكوينه. في المقابل، يؤدي الطهي إلى تقليل كمية الأليسين، لكنه لا يُلغي الفوائد تمامًا، إذ تبقى بعض المركبات الكبريتية الأخرى الفعّالة. وتشير الدراسات إلى أن ترك الثوم المفروم لبضع دقائق قبل الطهي قد يساعد في الحفاظ على جزء من نشاطه البيولوجي.

فوائد الثوم للمناعة

دوره في مكافحة البكتيريا والفيروسات

يحتوي الثوم على مركبات كبريتية أثبتت المختبرات قدرتها على اختراق غشاء الخلايا البكتيرية وتدميرها. ووفقاً لـ Journal of Immunology Research، يمتلك الثوم خصائص مضادة للميكروبات واسعة الطيف، بما في ذلك سلالات بكتيرية أصبحت مقاومة للمضادات الحيوية التقليدية. كما أظهرت الأبحاث أن مركباته تعيق قدرة الفيروسات (مثل فيروسات الإنفلونزا) على الالتصاق بخلايا الجسم ودخولها.

تأثيره على الخلايا المناعية

لا يقتصر دور الثوم على مهاجمة الميكروبات مباشرة، بل يمتد إلى تعزيز كفاءة الجهاز المناعي نفسه. فقد وُجد أن بعض مركباته تُحفّز نشاط الخلايا المناعية مثل الخلايا القاتلة الطبيعية (NK cells) والخلايا البلعمية، ما يدعم قدرة الجسم على الاستجابة السريعة للعدوى دون فرط في الالتهاب.

هل يعالج نزلات البرد؟ (ما تقوله الدراسات)

تشير الدراسات السريرية إلى أن الثوم لا يُعد علاجًا مباشرًا لنزلات البرد، لكنه قد يساهم في تقليل مدة الأعراض أو شدتها عند تناوله بانتظام. وقد أظهرت مراجعة علمية أن الأشخاص الذين استخدموا مكملات الثوم كانوا أقل عرضة للإصابة بنزلات البرد مقارنة بغيرهم، مع التأكيد على محدودية حجم الدراسات والحاجة لمزيد من الأبحاث.

فوائد الثوم للقلب وضغط الدم

تأثير الثوم على ضغط الدم المرتفع

مكملات الثوم قد تُسهم في خفض ضغط الدم الانقباضي والانبساطي لدى المصابين بارتفاع ضغط الدم، من خلال تحسين توسّع الأوعية الدموية وتعزيز إنتاج أكسيد النيتريك، وهو عنصر أساسي في تنظيم ضغط الدم. ويُلاحظ أن هذا التأثير يكون أوضح لدى الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم مقارنة بالأصحاء.

خفض الكوليسترول الضار LDL

يُظهر الثوم قدرة معتدلة على خفض مستويات الكوليسترول الضار (LDL)، خاصة عند استخدامه لأكثر من شهرين. ويُعزى هذا التأثير إلى دور مركباته الكبريتية في تقليل تصنيع الكوليسترول في الكبد، دون أن يُغني ذلك عن العلاج الدوائي عند الحاجة.

حماية الأوعية الدموية من الالتهاب

يعمل الثوم كمضاد للتصلب (Anti-atherosclerotic)؛ حيث يمنع تأكسد الكوليسترول و تراكمه على جدران الشرايين، مما يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بالجلطات والسكتات الدماغية.

فوائد الثوم للجهاز الهضمي

دوره كمضاد ميكروبي

يمتلك الثوم خصائص مضادة لبعض البكتيريا والفطريات المعوية، ما يساعد في الحد من نمو الكائنات الممرِضة داخل الجهاز الهضمي. ويُلاحظ هذا التأثير بشكل أكبر في الحالات المرتبطة بعدوى خفيفة أو اختلال التوازن الميكروبي.

تحسين الهضم وتقليل الانتفاخ

يساعد الثوم في تحفيز إفراز الإنزيمات الهاضمة، مما يسهل عملية امتصاص العناصر الغذائية. ومع ذلك، يجب استهلاكه باعتدال لتجنب التهيج لدى الأشخاص الذين يعانون من حساسية المعدة.

تأثيره على البكتيريا النافعة

يعمل الثوم كـ “بروبيوتيك” (Prebiotic)؛ فهو يوفر الغذاء اللازم للبكتيريا النافعة في الأمعاء، مما يعزز التوازن البيولوجي ويقوي المناعة العامة للجسم من الداخل.

فوائد الثوم للنساء

صحة الهرمونات

قد يساهم الثوم في دعم التوازن الهرموني لدى النساء بشكل غير مباشر عبر تحسين حساسية الخلايا للأنسولين وتقليل العوامل الالتهابية المرتبطة باضطرابات مثل متلازمة تكيس المبايض.

المناعة أثناء الحمل (مع التحذير)

يمكن للثوم تعزيز الدورة الدموية للجنين وحماية الأم من العدوى. و لكن يجب استشارة الطبيب قبل تناول مكملات الثوم بجرعات عالية أثناء الحمل، لأنها قد تزيد من خطر النزيف أو تتداخل مع بعض الأدوية.

صحة الجلد والشعر

يرتبط تناول الثوم ضمن نظام غذائي متوازن بدعم  صحة الجلد من خلال دوره في الحفاظ على سلامة الخلايا وتقليل العوامل التي تُسرّع شيخوخة الجلد. أما فيما يخص الشعر، فلا توجد أدلة كافية تدعم الاستخدام الموضعي المباشر للثوم، وقد يؤدي ذلك إلى تهيّج أو تحسس جلدي.

كيفية تناول الثوم بالشكل الصحيح

تناول الثوم على الريق – حقيقة أم خرافة؟

لا توجد أدلة سريرية قوية تُثبت أن تناول الثوم على الريق يمنحه فوائد صحية تفوق تناوله مع الطعام. الفائدة الأساسية مرتبطة بكمية الثوم المنتظمة وطريقة تحضيره، لا بتوقيت تناوله. وقد يسبب تناوله على معدة فارغة تهيّجًا لدى بعض الأشخاص الحساسين.

الجرعة اليومية الآمنة

في العديد من الدراسات، يُستخدم الثوم الطازج بكمية 1–2 فصّ (حوالي 4–8 غرامات) يوميًا، أو مكملات مستخلص الثوم بجرعات تتراوح بين 600–1 200 ملغ يوميًا، لتقييم الفوائد الصحية.

متى يكون الثوم ضارًا؟

يفقد الثوم قيمته ويصبح ضاراً إذا تعرض للاحتراق أثناء الطهي، أو إذا تم تخزينه مهروساً في الزيت بدرجة حرارة الغرفة لفترة طويلة، حيث يزداد خطر نمو بكتيريا 

أضرار الثوم و التحذيرات الطبية

مشاكل المعدة والهضم

قد يسبب الثوم لدى بعض الأشخاص حرقة المعدة، الغثيان، أو الانتفاخ، خصوصًا عند تناوله نيئًا أو بكميات كبيرة. وتزداد هذه الأعراض لدى المصابين بالتهاب المعدة أو متلازمة القولون العصبي.

التداخلات الدوائية (مميعات الدم)

يمكن للثوم أن يعزّز تأثير مميعات الدم مثل الوارفارين والأسبرين، ما قد يزيد خطر النزيف عند تناوله بكميات كبيرة أو على شكل مكملات. لذلك يُنصح المرضى بإبلاغ الطبيب قبل إدخاله بشكل منتظم ضمن نظامهم الغذائي.

تحذيرات للحوامل ومرضى المعدة

يُعد تناول الثوم بكميات غذائية طبيعية آمنًا غالبًا، لكن لا يُنصح باستخدام مكملاته أثناء الحمل أو لدى مرضى قرحة المعدة دون إشراف طبي، بسبب احتمالية تهيّج الجهاز الهضمي أو زيادة خطر النزيف.

يُعدّ الثوم غذاءً طبيعيًا ذا قيمة صحية حقيقية عند تناوله باعتدال وضمن نمط غذائي متوازن، إذ تدعم مكوناته النشطة وظائف حيوية مختلفة في الجسم وفق ما تؤكده الأبحاث العلمية. ومع ذلك، تبقى الاستفادة الآمنة من الثوم مرتبطة بطريقة الاستخدام والجرعة المناسبة، مع ضرورة الانتباه للتحذيرات الطبية، خاصة لدى بعض الفئات. فالغذاء الصحي ليس في عنصر واحد، بل في التوازن والاعتدال المبنيين على العلم.

لا تتردّد في متابعتنا على إنستغرام لمزيد من المحتوى الصحي المبسّط والموثوق.